ان مع العسر يسرا
العلاقه بين هيباتيا و مينا
بالرغم من حاله التشاؤم الشديدة التي تعم مصر فانا أزعم ان هناك ثلاث علامات على ترقب الفرج اذا ما استمسكنا باسبابه. اولا ان كل المصريين منغمسون و مندمجون سياسيا فلا يوجد بيت من بيوت الطبقه المتوسطه في مصر الا و يتحدث في السياسه. لقد سارت والدتي على درب جدتي في ان الحديث في السياسه و انتقاض نظام الحكم و بالأخص من خلال التليفون هو عمل جالب للمصائب و اعتقدت دائماً ان الحكومه تتصنت على كل المكالمات و ستلقي القبض علي ان انتقضت مبارك. الان تنتقض والدتي المجلس العسكري و المشير ذاته بل و لا حديث لها الا عن السياسه و هذا مكسب كبير. ان نجاح الديمقراطيات يعتمد بالأساس على مشاركه اكبر عدد ممكن بحريه فالديمقراطية تذوي ان تعاظمت الاغلبيه الصامته العاجزه او المصهينه عن الظلم. ثانيا لقد كان من اسباب خوفي بالنظر الى العشم غير المسبوق الذي وضعه الشعب في الجيش ان يتم انتخاب حكومه مدنيه في المستقبل فتتعثر، وما اكثر دواعي التعثر في مصر، فترتد الناس عن الديمقراطيه و المدنيه و الحريات و يدعون لعوده الجيش للحكم. انني أزعم الان ان احتمالات مناداه الناس بعوده الجيش مره اخرى ضعيفه فالشعب و الجيش اقتربوا من بعضهم البعض كثيرا في الفتره السابقه و اكتشفوا الكثير عند الطرف الاخر مما لا يعجبهم. فالشعب اكتشف ان الجيش غير قادر و الجيش اكتشف ان الشعب لا يخضع للتعليمات. ان توقع ان تتحول مصر في ليله لدوله اسكندنافيه تجري فيها الانتخابات بسلام هو توقع غير ذي اساس فالأمور كلها في مصر بها مذاق من العشوائية و العنف و العواطف و هذا هو المزاج العام للشعب. ستعكس الانتخابات ذات المزاج و ستختلط بالعنف و العشوائيه و العواطف و لكن ستاتي الانتخابات باشخاص يمكن ان يدعوا انهم يمثلون شرعيه تسد فراغ الشرعيه الحالي و تعوض فراغ الشرعيه الثوريه الانتقالية الذي عجز الجيش عن ملئه. ثالثا ان مصر لديها ازمه تطرف ديني حقيقيه تأصلت خلال عقود من الغزو الفكري الوهابي. من الصعب تخيل حدوث تطور ديمقراطي في مصر بدون ان تعترف القطاعات المستنيره من الشعب ان هناك مشكله فعلا و تواجهها. ان احداث اكتوبر ٢٠١١ الدامي في ماسبيرو و مقتل الناشط المسيحي مينا دانيال في اجواء من التعصب الاسلامي تماثل احداث مارس ٤١٥ في الاسكندرية عندما قتلت الفيلسوفه الوثنيه هيباتيا بيد التعصب المسيحي. لقد قاد تعصب كنيسه الاسكندرية في ذلك الوقت الى غلق الجامعات و المدارس و انتهاء عصر التنوير الكلاسيكي. لم تتوقف موجه التعصب عند الوثنيين الكفره و مقتل هيباتيا و تنظيف الاسكندرية، اخر معاقل الوثنيه، من مخالفي الديانه المسيحيه. حال مقتل هيباتيا تحول توجه التعصب نحو اتباع المسيحيه ذاتهم المخالفين في الراي و قضت كنيسه الاسكندرية على الطائفه الغنوصيه في اقل من عقد بعد مقتل هيباتيا. مائتي سنه، نعم ٢٠٠ سنه، هي الفتره التي ستاخذ مصر لتفيق من تلك الازمه التي لم تنته الا بالفتح الاسلامي لمصر. هناك الكثيرون في المنطقه و خارجها الذين يراهنون على ٢٠٠ عام من الاضطرابات و التعصب الديني في مصر. سيؤمن ذلك الاستقرار للتعصب الصهيوني و يضمن للوهابيه موقع الريادة في العالم الاسلامي و هو نفس ما حلمت به كنيسه الاسكندرية من الف و ستمائه عام. يحسن المصريون صنعا بتجنب الهاويه و مواجهه المشكله الان. بالرغم من الاسف على الشهداء عسى ان تكون دماؤهم الطاهره حافز لحل مشكله التطرف الباديه. ان مع العسر يسرا.
No comments:
Post a Comment